مؤسســــة عــــدن الغـــد للإعــــلام
آخر تحديث للموقع السبت 16 يناير 2021 01:38 مساءً

ncc   

عودة حسام إلى والديه والسفر بات وشيكاً لفحصDNA
ولو كره الكارهون
الليل والناس ...وأذية الأعراس
فقط الإقتصاد هو القوة...
المعلا وبندر عدن… !
الناس لا يغادرون وظائفهم ولكن يغادرون مدرائهم
الربيع العربي .. نكسة خذلت طموحات الشعوب
آراء واتجاهات

اللهم بلغنا الشيخ طارق جميل

ناصر الوليدي
الذهاب لصفحة الكاتب
مقالات أخرى للكاتب
الثلاثاء 24 نوفمبر 2020 04:15 مساءً

ولد الشيخ طارق جميل بن الله بخش بن عناية الله في شهر أكتوبر عام 1953م في قرية تلمبه إحدى قرى مديرية خانيوال في اقليم البنجاب .

ينتمي الشيخ إلى قبيلة (سهو) وكانت قبيلة سهو قبيلة هندوسية كافرة من أبناء ( بهرتوي راج) إحدى كبار زعماء الهندوس في زمانه ، هاجرت أسرة سهو بعد انهزامها من المجاهد البطل شهاب الدين الغوري إلى تلمبه في عهد شيرشاه سوري أحد ملوك الهند ثم أسلمت هذا القبيلة على يد الشيخ المصلح الكبير المجدد للدعوة الإسلامية في الهند بهاء الدين زكريا.

النشأة
نشأ الشيخ طارق جميل في أسرة غنية تملك المال والعقار مع الرخاء والنخوة والأنفه، قضى طفولته في قريته حتى أكمل مرحلة المدرسة الابتدائية الحكومية ثم أرسله أبوه لدراسة الثانوية في مدينة لاهور في مدرسة (سنتر اسكول) فلما أكمل الثانوية التحق بعدها مباشرة بكلية الطب بلاهور وكان يقيم في السكن الجامعي في لهو ولعب وكان في ذلك الوقت تعد مشهادة السينما وحضور الحفلات الغنائية من علامات التثقف والتطور فكان هو وأصدقائه يواظبون على مشاهدة السينما وحضور الحفلات الغنائية .
وبينما هو كذلك يدرس في الكلية التقاء طالبا بنغاليا ينتمي إلى جماعة التبليغ فكان يدعو الشيخ إلى الاهتمام بالصلاة، فغضب منه الشيخ وأساء معه التصرف فلما انصرف الطالب ندم الشيخ على ما كان منه وذلك بسبب حسن خلق زميله البنغالي فالتقاه مرة أخرى واعتذر منه، فاستغل الطالب ذلك فدعاه للخروج مع الجماعة ثلاثة أيام وهي أول لحظات إلتقاء الشيخ بجماعة التبليغ، فخرج معهم ثلاثة أيام بغير علم أبية ثم حبب إليه الخروج فقرر الخروج أربعة أشهر رغم اعتراض أبيه وجميع عائلته وفي أثناء تطوافه هذا سأله شيخ كبير عن عمله ودراسته فأخبرة أنه يدرس الطب، فقال له الرجل العجوز : الأطباء كثر في هذا البلد ومثلك لم يخلق ليكون طبيبا بل خلق للدعوة إلى الإسلام،وكانت هذه الكلمة هي نقطة التحول في حياته فقرر الالتحاق بجامعة رايوند الإسلامية التابعة لجماعة التبيلغ ولكن ذلك ووجه بمعارضة من أهله جميعا وبسبب رفض الوالد فقد اعتذرت جامعة رايوند عن قبوله لأن الجامعة لا تقبل الطالب إلا بموافقة والديه، ولهذا قرر الالتحاق بمدرسة دينية صغيرة في قريته وهنا قامت قيامة عائلته لأنها تعتبر هؤلاء (المولويين) أناسا ضعفاء صعاليك

إلى الشيخ
لم تبق لي سوى أيام قليلة على العودة إلى بلادي، وكنت قد أكملت مدة خروجي الدعوي حيث كان آخرها التشكيل إلى كراتشي وكنت حريصا أشد الحرص على زيارة الشيخ طارق جميل - درة تاج القارة الهندية- الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، وبلغت قدماه معظم دول العالم، وطاف قارات الدنيا، وكانت له زيارة إلى مدينة الحديدة أيام الإجتماع لم يكن لي شرف حضورها، ولهذا طلبت من الإخوة المشرفين أن يتيحوا لي فرصة زيارة الشيخ إلى قريته( رئيس آباد) التابعة لمدينة(تلمبة)، والمسافة بين لاهور وتلمبة تزيد على خمس ساعات .
انطلقت صباحا بصحبة أخي حفيظ الله وأخي تابش صاحب السيارة التي ستقلنا إلى هناك، ورجوت أخي تابش أن يخفف سرعة السيارة حتى لا يفوتنا التمتع بجمال الطريق.
كانت الأجواء خرافية، السماء تتبرقع بالغيوم وترسل علينا زخات من رذاذها والطريق مزين بالمزارع والترع والأزهار ، كنا ثلاثة وكان كل حديثنا بالعربية، نتبادل الأحاديث وننشد الأشعار العربية ونتحدث عن الأدب العربي والأدب الأردي حتى وصلنا إلى حديقة(بوتكى) وهي حديقة بديعة لبيع الزهور في جانبي الطريق تزيد مسافتها على عدة كيلوهات فأخبرني الإخوة أنها أجمل حدائق بيع الزهور في باكستان، كان منظر الزهور مبهرا باختلاف أنواعها وتوزع ألوانها وبديع أشكالها .
مازالت السيارة تهوي في طريقها والشوق إلى لقاء الشيخ يهز قلوبنا والغيوم تظلنا والمزارع تطارد حركتنا حتى وقفنا على مدينة كبيرة اسمها (أوكارا) .
وفي مدينة أوكارا نزلنا لصلاة الظهر وكان في استقبالنا الأخ أويس وهو صديق لرفيقي سفري حيث كان طالبا معهما في بعض المراحل الدراسية ، وبعد صلاة الظهر أخذنا بسيارته إلى مطعم في أطراف المدينة يملكه رجل بشتوني ويعد فيه طعاما يشبه إلى حد كبير طعام العرب، وهناك قدم لنا لحم الماعز والخبز والرز والمقبلات، فأكلنا حتى شبعنا ثم قدم لنا كأسات الشاي الأحمر ، وعرفت فيما بعد أنهما نسقا معه في الترتيب لهذه الوجبة ومكانها والتي قد تناسبني لخلوها من الزيوت والفلافل والبهارات التي هي الأساس في وجبات باكستان، ثم أخبروني أن هناك تشابها كبيرا بين عادات البشتون وعادات اليمنيين وهذا ما جعل بعض البشتون يزعمون أنهم يعودون إلى أصول يمنية.
واصلنا مسيرنا حتى أطلت لنا مدينة تلمبة بعد صلاة العصر وقد بدأ الإصفار يتغشى وجه الشمس الذي يتطلع خجلا من بين الغيوم، ومن بين هذه الخيوط الصفراء كانت سيارتنا تخترق المدينة حتى وقفت أمام مبنى جامعة (الحسنين) لنترجل هناك حيث كان في استقبالنا في جامعة الحسنين بتلمبة عدد من المدرسين والطلاب على رأسهم الشيخ وقاص والذين فرحوا بمقدمنا فرحا شديدا وذلك أن رفيقي حفيظ الله وتابش كانا طالبين في جامعة الحسنين ولهم علاقة ود مع الكثير من المدرسين في الجامعة، وبعضهم أساتذتهم وآخرون زملاؤهم، ضف إلى ذلك وجود ضيف عربي، وللعرب مكانة في قلوب الباكستانيين.
أنزلونا في ديوان الضيوف وجلس إلينا الشيخ وقاص والشيخ محسن وعدد قليل من الطلاب أذكر منهم طالب من ملتان اسمه عبد الله وكان كل حديثنا باللغة العربية، فجامعة الحسنين بكل فروعها تهتم اهتماما كبيرا بالعربية، وأحسب أنها هي وجامعة ابن عباس في كراتشي لا تتفوق عليهما جامعة في الاهتمام باللغة العربية، ولقد كانت سعادة الإخوة لا توصف وهم يتبادلون الكلمات والأحاديث والأشعار مع عربي لديه شيء من الإلمام بالأدب العربي، فكانوا يتداعون للجلوس وخاصة الطلاب النوابغ، وأذكر منهم شابا نابغة سيكون له شأن مع العربية اسمه(حنظلة) والذي قرأ قوائم كثيرة من الكتب العربية.
قطع علينا أذان المغرب الحديث والذي سنواصله ليلا مع هذه الثلة الطيبة.
بعد صلاة المغرب كان علي أن ألقي محاضرة قد رتب لها من قبل حضرها المدرسون والطلاب وعدد من أهل الحي ولكن أهم الحاضرين هو الشيخ طارق جميل والذي صلى صلاة المغرب جالسا متلفعا بملحفة ثم جلس ينصت للحديث العربي عن انتشار الإسلام في الدنيا وأهمية الدعوة إلى الله رغم أنه لا يزال يعاني من آثار ذبحة صدرية كادت تودي بحياته.
لم نستطع لقاء الشيخ والتسليم عليه تلك الليلة حيث غادر المسجد في آخر المحاضرة بسبب مرضه، وقد أخبرني المدرسون أن الشيخ ليس من عادته أن يحضر بيانات الضيوف إلا أنه تحامل على نفسه إكراما للضيف العربي واستطيابا لسماع لسان عربي قدم من قلب جزيرة العرب.
أخبرني الإخوة أن الشيخ طلب منهم أن يأخذوني بعد صلاة العشاء مباشرة إلى حي (إيدكه) وتعني بالعربية حي (مصلى العيد ) حيث تقع الجامعة القادرية، وهناك وجدنا الطلاب والمدرسين ينتظرونا وكانت لنا كلمة لا تختلف كثيرا عن الكلمة السابقة وكانت أيضا حفاوة الطلاب والمدرسين لا تقل عن سابقتها، ثم أخذنا إلى غرفة خاصة وتحادثنا مع بعض المدرسين عن الاهتمام باللغة العربية

من هو الشيخ وقاص ؟
كنت قد كتبت في رايوند عند عودتي من تلمبة عن هذا الشاب والذي أسميته الشيخ المكتبة ونشر في بعض المواقع الإلكترونية وسأعيد نشره هنا.

الشيخ المكتبة

منطقة (تلمبة) هي منطقة ومسقط رأس ريحانة القارة الهندية ودرة تاجها العلامة الرباني الشيخ (طارق جميل) وله من اسمه أوفر الحظ والنصيب فهو (طارق) وما أدراك ما طارق إنه النجم الثاقب في ليل القارة الهندية وهو(جميل) كوجه الصباح الذي يطل على الدنيا وكبدر السماء الذي يسير في ليل الحياة وكغيث السماء الذي يترك الجميل حيثما مر.
كنت في رايوند قريبا من لاهور بعد أن أنهيت خروجي وعدت من كراتشي،كان علي أن أبحث عن سبيل توصلني إلى (الطارق الجميل)، طرحت الموضوع بين رفيقي في الخروج أخي حفيظ الله وأخي تابش اللذين سعدت بصحبتهما في مدن عدة (جهنغ وفيصل أباد وكراتشي ولاهور ورايوند)، فلم يكن منهما إلا أن نهضا للأمر وفرحا به، فقال أخي تابش: سأذهب غدا إلى لاهور وأحضر سيارتي وننطلق صباحا، وهو ماتم فعلا.
اندفعت بنا السيارة جنوبا في طريق تحيط به الزروع والثمار والنخيل والبساتين والأنهار والأزهار، وكانت السحاب ترسل زخاتها علينا طول الطريق، حتى وصلنا إلى مدينة أوكارا وهناك تناولنا الغداء في ضيافة الأخ أويس والذي أخذنا إلى مطعم يبعد من قلب المدينة وهذا المطعم يملكه رجل من البشتون وتطبخ فيه وجبات تشبه الوجبات العربية خالية من الزيت والفلافل التي ابتلينا بها في باكستان.
وبعد ساعات قضيناها في الطريق تبادلنا فيها الأخبار والأشعار والنوادر بحكم أن رفيقي يتقنان العربية وصلنا إلى (تلمبة) فبدأنا نستنشق عبير شيخها وهلالها ونورها وجمالها الشيخ طارق جميل وكان الشيخ مريضا، فاستقبلنا الأساتذة والطلاب في جامعة الحسنين وفرحوا بنا كثيرا والتف حولنا الكثير منهم وكانوا جميعا يتكلمون العربية بطلاقة وفصاحة وينشدون الأشعار وكأنهم في بادية نجد أو في خيام هذيل، فجلس معنا في غرفة الاستقبال بعض الأساتذة الذين بحق تتزين بهم المجالس وكان منهم الشيخ (وقاص).
قضيت مع الشيخ وقاص أياما في الجامعة فرع (تلمبة) ثم فرع(إيدكه) أي مصلى العيد وفي المزارع والسوق، جلست معه كثيرا وسهرنا طويلا وتنقلنا في أروقة الجامعة وفصولها ومكتبتها فوجدت بحق أنني لا أقف أمام شاب لا يزيد عمره عن ست وثلاثين سنة بل أمام مكتبة بشرية متحركة، شاب يعشق العربية حتى الثمالة ويتكلمها أفضل من أكثر أبنائها فهو يحفظ أكثر من ثمانية آلاف بيت من الشعر العربي ويدرس في الجامعة النحو والصرف العربي ودرس الطلاب المعلقات السبع وديوان المتنبي وقرأ من الكتب العربية في الأدب العربي والمذكرات والنحو والصرف والتفسير والأصول والفقه ما لا يكاد يصدق، وهو يتعمد قراءة الكتب باللغة العربية ويؤثرها على لغته القومية الأردية بالإضافة إلى أنه من أصل بشتوني من مدينة(دير إسماعيل خان) فلغته الأم البشتونية مع إتقانه للغة السريكية والبنجابية وهو أيضا حاصل على الإجادة في اللغة الإنجليزية ويحمل شهادة الماجستير في العلوم الإسلامية.
سألته عن قراءاته العربية فقال : لدي مذكرة أسجل فيها الكتب التي قرأتها في العربية ثم مد يده فأخرج مذكرة كبيرة رأيت فيها قوائم طويلة من العلوم والفنون، فهذه قائمة بالكتب التي قرأها في التفسير : تفسير ابن كثير والكشاف وزبدة التفاسير وتفسير النفسي أيسر التفاسير . . إلخ

وهذه قائمة بما قرأه في الأصول وهي عشرات الكتب، كما علمت أنه يحفظ قاموس (عربي - أردي) يزيد على أربعمائة صفحة، غير ما قرأه في الأدب العربي وأصول التفسير والرسائل المتنوعة ولقد علمت أيضا أنه قرأ لأحمد أمين : فيض الخاطر عشرة مجلدات وفجر الإسلام وضحى الإسلام وظهر الإسلام خلال ثلاثة أشهر فقط وقرأ كثيرا من كتب علي الطنطاوي وقرأ بالعربية للعلامة أبي الحسن الندوي (١٠٨) كتب وهي جميع ما ألفه الندوي. وقرأ للعقاد وطه حسين وغيرهم.
بدأت علاقته بجماعة التبليغ عام (٢٠٠٠م) فخرج ثلاثة أيام حتى عام (٢٠٠٤م) فخرج أربعة أشهر ثم خرج سنة متواصلة معظم المدن الباكستانية.
وقد كونت منه هذه القراءات المتعددة عالما متعدد المعارف شديد الرسوخ مع الديانة والتواضع والشغف المعرفي فأفاد الطلاب وانتفع به التلاميذ وشرفت به الجامعات.
وحين ألتقيت الشيخ طارق جميل سألني:
من لقيت من المدرسين؟
فقلت : لقيت بعضهم عرضا ولكني جلست كثيرا إلى الشيخ وقاص فوجدته مكتبة متحركة، ففرح الشيخ فرحا شديدا وأخذ الجوال فاتصل بوقاص وحادثه باللغة الأردية .
وللشيخ وقاص عدة كتب :
-- كتاب (التاجر المسلم) وقد طبع منه ألف نسخة نفدت خلال شهر ثم طبع منه ألفا نسخة نفدت خلال ثلاثة أشهر.
- وكتاب (إن من الشعر لحكمة)
-- وكتاب (إن من البيان لسحرا).

لقاء الطارق الجميل

كنت صباح اليوم التالي بصحبة أخي الشيخ وقاص لزيارة مزارع الشيخ والتطواف في بعض أحياء المدينة، وكان جل حديثنا عن أعمال الشيخ ومنهجه الدعوي والإصلاحي وخططه الطموحه في الإصلاحوالتغيير .
فقد جاء الشيخ من وسط عصري فحياته الخاصة في عائلة إقطاعية ثرية ووجيهه كانوله أثره في تكوينه الوجداني، ودراسته الأساسية والثانوية وسنوات عدة في كلية الطب كونته تكوينا عصرانيا مستنيرا، ضف إلى ذلك أنه فنان صاحب صوت جميل ولولا تحوله الدعوي لربما أصبح من أشهر فناني القارة الهندية، وميوله الفنية أكسبته علاقات كثيرة بالفنانين والفنانات والمخرجين والمهتمين بالفن عموما، كما أن وجاهة عائلته أكسبتهم علاقات متينة بأهل الحكم والسياسة، ولهذا كان من أهم أسباب رفض عائلته لتوجهه الدعوي هو المكانة الكبيرة التي تتمتع بها العائلة الإقطاعية في إقليم البنجاب ولهذا كان صادما لهم أن يكون ولدهم(مولويا) يأكل في المساجد ويتنقل فيها كما يفعل المساكين وهم العائله التي يعرف لها الساسة منزلتها ومكانها.
هذه الظروف العصرانية التي أحاطت بنشأة الشيخ كانت لها آثارها الإيجابية في توجهه الدعوي ومشروعه الإصلاحي، وإذا كان الشافعي قد أصلح بين مدرسة الأثر ومدرسة الرأي فإن الشيخ قد أصلح بين المدارس الدينية والمدارس العصرية، حتى أنك لتجد أثر ذلك الإصلاح والتأثير في طلابه، ومما أتذكره أنني تعرفت على شاب في رايوند اسمه محمد جاويد إقبال وكان يجلس إلي كثيرا، فوجدت عربيته عالية وثقافته واسعة، فلمست فيه بصمه الشيخ طارق جميل وفهمت أنه من طلاب جامعة الحسنين قبل أن يخبرني.
ومن ذلك أن الشيخ لم يقطع علاقته بالوسط الفني بل حافظ على صداقاته المتينة معهم فكان يزورهم ويلقي عليهم المحاضرات ويعقد لهم لقاءات موسمية ويتواصل معهم بشكل مستمر مما جعل بعضهم يتحولون إلى دعاة إلى الله ومنهم الفنان الشهير ( جنيد جمشيد) الذي مات في حادثة تحطم طائرة مدنية ودفن في كراتشي وقد زرت قبره وسمعت قصته من رفاق رحلتي، وهذا الفنان أصبح منشدا كبيرا لا يكاد يغيب وجهه عن القنوات الفضائية الأردية، وعلى يد هذا الفنان اهتدى الممثل الكوميدي الذي سبق الحديث عنه في قصة خروجنا إلى (ديبال بور) وليس هؤلاء فحسب بل هناك عدد من المغنيات والفنانات كانت هدايتهن على يد الشيخ طارق جميل ولا يزال مستمرا في لقاءاتهم ودعوتهم والتواصل معهم، ومما أعانه على ذلك أنه صاحب كرم حاتمي يقضي حوائجهم ويكرمهم بالهدايا والعطايا، ومما حدثني به بعض الإخوة الباكستانيين أن الشيخ كان مسافرا في الطائرة بصحبة زوجته وقبل أن تقلع الطائرة صعدت فنانة مشهورة كانت مسافرة لإحياء حفلة فنية، وكانت لها مفاجأة جميلة أن ترى الشيخ فصرخت بفرح غامر " مولانا الشيخ طارق جميل أرجو أن تغمري بدعواتك " في كلام طويل يدل على حبها للشيخ وإجلالها وتقديرها له فلما جلست في مقعدها بحث الشيخ عن شيء يهديه لها إكراما وتأليفا ولأنه في الطائرة لم يجد شيئا عينيا مناسبا فطلب من زوجته أن تخلع (أقراطها) الذهبية ليهديها إليها ففرحت الفنانة فرحا شديدا وكأنها تتبرك بهذه الهدية من مولاها الشيخ، وبهذا الأسلوب المرن والطريقة الدعوية الرحيمة مع المقصرين استطاع الشيخ بفضل الله أن يلحق الكثير منهم بحظيرة الإيمان والدعوة.
وقد علمت أن بعض المشايخ احتجوا على الشيخ في تواصله مع المغنيات والفنانات وأكثرهن لا يلتزمن الحجاب الشرعي فقال لهم: سأحتج عليكم بالمذهب الحنفي: ألم يجوز العلماء النظر إلى عورة المرأة للطبيب عند الضرورة؟
قالوا: نعم
قال: إن الطبيب يريد أن ينقذ المريضة ويبقيها على قيد الحياة بينما الداعية ينقذ المرأة المبتلاة بالمعصية من نار جهنم، وهو أصلا لا يحتاج إلى النظر في عورتها...
وللشيخ أيضا علاقته بالسياسيين والتي يستخدمها في الدعوة إلى الله والتقليل من المفاسد وتكثير المصالح الشرعية، فهذا(المولوي) الذي كان أبوه وعمه يتحسسون من توجهه الإسلامي أصبح رقما صعبا في باكستان كلها حيث يزوره الوزراء والبرلمانيون ورؤساء الأقاليم والساسة وزعماء الأحزاب إلى ديرته في رئيس آباد ويذهب هو إليهم للنصح والتوجيه والإرشاد حيث يلقي محاضرات دعوية في مجلس النواب، بل أن رئيس الوزراء عمران خان استدعاه حينما أنتخب في منصبه وطلب منه المشورة والنصح والدعاء، وأخبرني بعضهم أن أحد الوزراء رفض أن يؤدي اليمين الدستورية إلا بحضور الشيخ طارق جميل.
ما أريد قوله هنا أن نشأة الشيخ العصرانية وعقليته المستنيرة فتحت للدعوة آفاقا كبيرة في أوساط الساسة والفنانيين والأكاديميين وهي تجربة جديرة بالاستفادة منها.
ومن نباهة الشيخ إدراكه لإهمية الدراسية في المدارس الحكومية والتي يسميها الدعاة هناك المدارس العصرانية فيزهدون فيها ويجنبون الأبناء الدراسة فيها، ولهذا أنشأ الشيخ عددا من المدارس الأهلية الملتزمة بمعايير المدارس الحكومية ليلتحق بها الكثير من الطلاب والطالبات وبرسوم زهيدة تصل أحيانا إلى المجان.
أما الجامعات الدينية فقد أنشأ الشيخ خمس عشرة جامعة في طول باكستان وعرضها منها ثماني جامعات للطلاب وست للطالبات وجامعة في ولاية تكساس بالولايات المتحدة الأمريكية، وأصل وأم هذه الجامعات هي جامعة الحسنين في مدينة فيصل آباد وجميع هذه الجامعات تدرس باللغة العربية ولها إهتمام كبير بالثقافة العربية وإذا زرتها لن تحتاج فيها إلى مترجم، وقد نهض باللغة العربية في هذه الجامعات شاب تونسي اسمه (رمزي الحبيب) .
ومعظم نفقات هذه الجامعات من مال الشيخ الخاص وقد بارك الله له في ماله لما ينفقه في وجوه الخير من التعليم والدعوة والصدقات والإصلاح .
وعلى ذكر هذا فقد خرجت هذا اليوم مع الشيخ وقاص وتعمد أن يمر بي في شارع معين ثم أخبرني أن هذا الشارع كان سابقا شارع للبغايا وهو حي أصوله شيعية أو باطنية فاجتهد الشيخ على هذه البغايا بالدعوة والإكرام والبذل وكان يصرف للتائبات راتبا شهريا ويعمل لهن الولائم الكبيرة التي تطعمهن من الجوع وتغنيهن من المخمصة ثم قال لي الشيخ وقاص: أما اليوم فهذا الشارع تقام فيه حلقات التعليم وتجتمع فيه الداعيات فقد تحول كل من فيه إلى السنة والدعوة، وهناك عدد من العائلات تأتي شهريا تتسلم مخصصاتها من المال والمواد الغذائية من نافذة قريبة من الجامعة.

لقاء الشيخ

عدنا من المدينة والمزارع إلى الجامعة واسترحنا ثم تجهزنا للقاء الشيخ فاتجهنا إلى ديرته(ديوانه) حوالي الساعة الحادية عشر قبل الظهر وهناك وجدنا عددا كبيرا من الزوار ينتظرون خروج الشيخ خاصة أنه تماثل للشفاء من ذبحة صدرية خطيرة، وكان من الموجودين شيخ كبير يتهادى متكئا على ولده الشاب وقد جاء من مدينة ملتان البعيدة لكي يزور الشيخ ويطمئن عليه وكان جالسا على الأرض لم يستطع الجلوس على الأرائك فلما أقبل الشيخ ترك الكل وجلس على الأرض بجانب ذلك العجوز وأخذ يعانقه ويحتضنه ويلاطفه حتى انصرف ثم أقبل علينا وصافحنا، ودعاني للجلوس بجانبه وأخذ يسألني عن أحوال اليمن وعن الدعوة إلى الله وما رأيت في باكستان ثم سألني عن الجامعة والمدرسين وحدثته عن (الشيخ المكتبة) ففرح فرحا شديدا وطلب مني زيارة بعض الجامعات وخاصة جامعة الحسنين في فيصل آباد. ثم أعتذر لي بانشغالاته ومرضه وطلب لقائي مرة أخرى قبل سفري.
لم يطل لقائي بالشيخ فقد كان الزوار كثر وكل يريد حظه من لقاء الشيخ وهو يتحامل على نفسه رغم آثار المرض البادية عليه.

وغادرنا تلمبة
يومان ونصف اليوم قضيتها في رحاب جامعة الحسنين فرع تلمبة لقيت خلالها الشيخ طارق جميل وتلاميذه، ولمست عن قرب مناقب الرجل ومنهجه الإصلاحي، وذلك من خلال الإطلاع على أحواله ومشاريعه وعلاقاته وزيارة جامعته وقاعاتها الدراسية ومكتبتها وما حدثني عنه المشايخ، سواء كان الشيخ وقاص أو الشيخ محسن أو حفيظ الله أو بعض الطلاب، وأدركت حقا أنني إزاء مصلح ديني سيكون له أثره المبارك على الدعوة الإسلامية في شبه القارة الهندية، وقوام مشروعه الدعوي يرتكز على الاهتمام الكبير بالتعليم الديني غير التقليدي والاهتمام باللغة العربية والنهوض بالدعوة على أساس العلم والتزكية والتضحية وحسن العلاقات مع المجتمع بكل مكوناته، يصاحب كل ذلك الرفق والرحمة وتذويب الحواجز وإشعار الآخر بقيمته الدينية والبشرية وتبديد هواجس التوتر بين الداعية ومخالفيه من جميع الفئات بما في ذلك القادة والساسة والفرقاء الدينيين والسياسيين، حتى أن الشيخ يقيم علاقات دافئة مع زعماء الأديان والمذاهب غير الإسلامية الهندوس والإسماعيليين وغيرهم مما يتيح لهم فرصة التعرف على الإسلام بصورته الجميلة الصافية التي يقدمها الوحي، وأنت تستمع إلى أحاديث الطلاب والمدرسين عن شيخهم تتجلى لك شخصية الرجل الراسخة في الديانة والعلم والحكمة والعمق وبعد النظر والوعي الكامل بحقيقة المرحلة ومتطلباتها.
فالرجل صالح في نفسه كثير التعبد والتأله مقبل على نفسه منشغل بالصلاة والذكر والتزكية والترقي في منازل السائرين، ومما علمته أن الشيخ لا يترك قيام الليل مهما كانت الظروف بل أنه يصلي عن أبويه الراحلين لكل واحد منهما ثنتي عشرة ركعة، وإذا عجز عن القيام في الليل لأمر قاهر يقضي صلاته عن نفسه وصلاته عن أبويه في وقت الضحى.
مع الإقبال على العلم، سواء كان إقباله على كتب التفسير والسنن وشروحها معة همة عالية في القراءة والتدبر، ومما أخبرني به الإخوة أن الشيخ قرأ كتاب البداية والنهاية بنسخته العربية أربع مرات وقرأ كتاب حياة الصحابة ست مرات، وهو كذلك مجاز في الكتب الستة وموطأ مالك، كثير القراءة لدواوين السنة وشروحها.
ومما حدثني به الشيخ وقاص أنه كان يقرأ عليه من سنن الترمذي حتى بلغ حديث " لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء" فرأى عينيه تذرفان فتوقف الشيخ وقاص عن القراءة ثم قال له الشيخ ما معناه: أنه رغم غناه لا يدخر من المال إلا مثل أحد المدرسين في الجامعة....
مع ما عنده من المزارع وما يملكه من مصنع للمعدات الزراعية.
غادرت تلمبة متوجها إلى فيصل آباد لزيارة جامعة الحسنين هناك ورؤية باعث العربية في باكستان الشيخ رمزي الحبيب التونسي ولقاء المدرسين والطلاب، وخلفت ورائي شيخ القارة الهندية ودرة تاجها ونورها وهلالها يعاني آثار الذبحة الصدرية كما يعاني آثار المرض الذي تعانيه أمة الإسلام في المشرق والمغرب، غادرته وهو في تلك المدينة الصغيرة وكأنه يجلس في غرفة عمليات يدير من خلالها مشروعه الإصلاحي الذي تتحرك من خلاله جيوش الدعاة والمعلمين والطلاب، وهناك أكف المساكين والفقراء من جهة وممن لفحتهم نيران الذنوب من جهة أخرى ترتفع إلى السماء تلهج بالدعاء لهذا( القديس) المجاهد المتبتل.

إلى فيصل آباد
كنت قد مررت بهذه المدينة الجميلة في خروجي الأول إلى مدينة جهنغ وها أنا اليوم أعود إليها من جديد وكما مررت عليها في المرة السابقة ليلا ها أنا الليلة أصلها بعد صلاة العشاء في ليلة ماطرة غسلت المدينة وروت الأرض، وفي مدخل مبنى الجامعة كان في انتظارنا عدد من الطلاب منهم الطالب عمران عزبز الذي يجري على لسانه الشعر العربي وكأنه من إحدى البوادي في جزيرة العرب حتى أنه لا يكاد يتكلم في لحظة استقبالنا إلا شعرا ، أخذونا إلى غرفة الضيوف حتى استرحنا ثم اتجهنا إلى مكتب الشيخ رمزي الحبيب التونسي، فلما أقبلت نحوه فتح ذراعيه وتعلوه ابتسامة وكأنه يرى أخا له يشم فيه بلاده فكان يردد ( أفلح الوجه. أفلح الوجه ) ثم عانقني وطوقني بذراعيه وهو يلهج بعبارات الترحيب فجلست معه قليلا ثم قال: الترتيب أن تتحركوا الآن إلى فرع الجامعة في ( شاه كوت ) فالمشايخ والطلاب ينتظرونكم وعند العودة ستجدوني في مكتبي هذا.
وبعد مسافة نصف ساعة من فيصل آباد تقريبا وصلنا إلى منطقة شاه كوت وولجت سيارتنا جامعتها الجميلة، الجميلة في بنيانها وتخطيطها وحديقتها ومرافقها فيبدو أنها قد بنيت حديثا على طراز جميل جدا، وفي إحدى القاعات وجدنا المدرسين والطلاب ينتظرونا بشغف وعشق للسان العربي، فتكلمت معهم عن التغيير الهائل الذي أحدثه الإسلام في المجتمع والنفوس والتغيير الكبير الذي حول رعاة الغنم إلى رعاة أمم وكيف استطاع هؤلاء الأميون أن يتحولوا إلى أمة حضارية نشرت الدين والعلم وكونت المدارس وبنت العواصم والحواضر ، واستشهدت لهم بالصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي تحول من (رويعي غنم) إلى أستاذ كبير يجلس على ميراث الدولة الفارسية في العراق ويصبح مدرسة في القرآن الكريم والحديث والفقه، وعلى أصول مدرسته وتلاميذه تكونت مدرسة فقهية ومدرسة حديثية ومدرسة في القراءات، وكيف عاش حياته الأولى وهو لا يفقه من الدنيا إلا أحاديث الغنم والمراعي والحظائر ثم جاء الزمن الذي يقول فيه عمر بن الخطاب لأهل العراق: " لقد آثرتكم بابن مسعود على نفسي" ، شعرت أن الحديث استهواهم حتى أنها كانت ترتفع صيحات التسبيح والتكبير في تلك القاعة، ثم طلبوا مني حث الطلاب والمدرسين على الاهتمام بالعربية.. وفي آخر اللقاء طلبوا إلقاء أبيات من الشعر العربي.
بعد هذا الحديث سلمت على الحضور وصافحت معظمهم ثم خرجت أتجول في باحة الجامعة حيث تظهر على أضواء الكهرباء ورودها وزهورها وأشجارها الجميلة، وعلى بعض الكراسي في هذه الحديقة جلسنا نتحدث ونشرب الشاي نحن وبعض المدرسين.

لقاء حبيب

عدنا ليلا لنجد الشيخ رمزي الحبيب ينتظرنا، وفي مكتبه الجميل سألني عن أخبار اليمن وأنباء الحرب والربيع الذي تحول إلى خريف عاصف، وأخبرني أنه زار صنعاء داعية إلى الله ضمن جماعة باكستانية في السنوات المنصرمة فزار منطقة الروضة في صنعاء حيث يقال أنها وقعت فيها قصة (أصحاب الجنة) المذكورين في سورة القلم، ثم أخبرني أنه ضمن ترتيب الجماعة في زيارة العلماء زاروا عددا من علماء ومشايخ صنعاء ومنهم الشيخ عبد المجيد الزنداني.
ثم سأل عن جامعة الإيمان وشيخها وطلابها فقلت له :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا
أنيس ولم يسمر بمكة سامر
ثم حدثته عما حل بصنعاء المليحة التي داهم وجهها السل والجرب والرفض والخرافة ثم أكدت له أنها رغم بخل الغيث ما برحت
حبلى وفي بطنها قحطان أو كرب.
رأيت التأثر الممزوج بالأمل يعلو وجه الشيخ فأردت أن أحول الحديث عن اليمن فسألته عن بلده تونس فقال:
غادرت تونس وعمري أربع عشرة سنة هربا من بطش النظام السابق فالتحقت في كراتشي بجامعة دار العلوم ودرست هناك العلوم الشرعية وتخصصت في الأدب العربي حتى حصلت على شهادة الماجستير( تقريبا والدكتوراه ) ولي كتابان إلى الآن، ولم أزر تونس مدة طويلة حتى سقط نظام بن علي فسافرت بعد الثورة ولقيت الأهل والأصدقاء وطفت في بلدي وقمنا مع عدد من التبليغيين هناك بالتشاور حول العمل في تونس وتمكنا من زيارة راشد الغنوشي ودار بيننا وبينه بعض الحديث وكان مما قلت له : إذا كنتم أنتم في ميدان الجهاد السياسي فنحن في عريش الدعوة، هذا العريش الذي يشبه العريش الذي صنع للنبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، فاستظرف الشيخ المثال وطلب منا الدعاء، وتشاورنا معه حول فتح مراكز الدعوة والتبليغ في البلاد. ...
كان الشيخ رمزي يتكلم عن بلده وهو مستوعب أن الأوضاع فيها غير مستقرة وأن الأمور تحتاج إلى الكثير من الصبر والحكمة، حتى أنه أخبرني أن جماعة التبليغ وبعد مشاورات كثيرة رأت أن تؤجل فتح مراكزها حتى ترى كيف سيكون وضع البلاد في الأيام المقبلة.

عمران عزيز البلوشي
قررنا المبيت في فيصل آباد فأنزلونا في غرفة الضيوف، وكان معي أخي الشيخ حفيظ الله وأخي تابش، فلما تمددت على السرير جاء بعض الطلاب للسمر معنا، ولقد أذهلني اهتمامهم باللغة العربية وإتقانهم لها وحفظهم للكثير من الأشعار العربية، وأظن أن بعضهم يحفظ المعلقات السبع والكثير من الأشعار القديمة.
أما عمران فقد جلس معي على السرير فلما أردت أن أستوي جالسا أقسم بالله أن لا أجلس، فبقيت متكئا وجلس هو على جانب السرير وهو يدلك ركبتي وساقي وحاولت أمنعه ولكنه أقسم علي ثم قال : أريد أن أسامرك وأثاقفك في العربية فأنا أحب أن أسمعها من أهلها. فقضينا الليلة في الأشعار وأخبار العرب وطرائفهم الأدبية وتاريخ الشعر والأدب، وكان عمران عزيز يتكلم بعربية فصيحة ويكثر من الاستشهاد بالشعر الجاهلي وقضينا على ذلك جل الوقت وكان الحديث بيننا لا ينقطع، فكان كلما خرجت أو دخلت يستقبلني بالشعر ، ويوم سفرنا سار معي إلى السيارة وهو ينشد أشعار التوديع وعانقني والدمع يملأ عينيه ،حتى انطلقت السيارة وهو يتبعنا في الوحل تحت المطر ويشير إلينا وينشد الأشعار.
رأيت فى هذا الشاب مخايل النجابة والذكاء والنبوغ وتوقعت أن سيكون له مستقبل في العلوم الشرعية وعلوم العربية فقد قرأ الكثير من كتب الأدب القديمة والحديثة حتى قرأ للرافعي والعقاد وطه حسين والطنطاوي والمنفلوطي وغيرهم.
وكان لي شغف أن أعرف سبب تميز هذا الشاب ،فسألته عن بداياته
فقال : أنا بلوشي أقيم في قرية قريبة من كويتا وأتقن لغتي البلوشية بالإضافة إلى الفارسية والأردية والعربية، أما أبي فهو رجل من عامة الناس ينفق علينا من مجزرة (ملحمة) ولكنه رغم انقطاعه عن التعليم فهو شاعر مشهور من شعراء اللغة البلوشية وله خمسة دواوين ويستضاف في القنوات الفضائية وقد كرم من بعض الجهات الثقافية في أقليم بلوشستان، وكانت الكراسات لا تفارق أبي حتى ونحن نتناول الطعام فربما مسح يده وأخذ القلم وكتب في الكراسة ثم يرجع للطعام وهكذا ربما يتكرر عدة مرات، وحتى عندما ينام يضع عند رأسه كراسة ومصباحا وربما رفع الغطاء عن وجهه وأخذ المصباح وكتب شيئا ثم يعاود النوم، بل كان يأخذ الكراسة معه إلى المجزرة ليكتب الخواطر التي يبني عليها أشعاره، وكان يفرح بي كثيرا عندما أعود إلى البيت في الإجازات فيطلب مني أن أنشده أشعار العرب ثم أترجمها له إلى البلوشية حيث أنه لا يفهم العربية، وأذكر ليلة أننا تسامرنا إلى قرب الفجر وأنا أنشده من شعر المتنبي فكان يتمنى أنه يتقن العربية ليستمتع بشعر المتنبي وترجمت له إلى البلوشية شيئا من أشعار عنترة وزهير وأبي تمام والبحتري وغيرهم....
من هذا علمت أن عمران عزيز نبت نباتا حسنا في مناخ أدبي بين يدي أب عاشق متذوق.
عدت إلى اليمن وكنت كلما راسلت أحد الإخوة من طلاب فيصل آباد أسأله عن عمران عزيز ونتبادل التحايا، وهو يرفض أن يستخدم (جوال اللمس) لكي لا يحمل الفيس والواتس ويرى أنها ستشغله عن الترقي في العلم والمعارف.
ثم علمت بعد عودتي أنه خرج دعوة إلى كشمير في عدد من الطلاب وبينما هم نائمون في المسجد داهمتهم السيول من كل مكان وجرفت المسجد بمن فيه ودمرت أكثر من مائة بيت، وفي تلك الليلة لقي عمران عزيز ربه شهيدا خارجا في سبيل الله مع سبعة من إخوانه رحمهم الله جميعا.
لقد خسرت بموته جامعة الحسنين وبلوشستان وباكستان رجلا عظيما كنت أتوقع أن يحجز له مقعدا مع العظماء، ولكن الله أختاره ليحجز له مقعد صدق عند مليك مقتدر.

من كتابي( بين الأنهار الخمسة )

ناصر الوليدي



شروط التعليقات
- جميع التعليقات تخضع للتدقيق.
- الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر سبام
- الرجاء معاملة الآخرين باحترام.
- التعليقات التي تحوي تحريضاً على الطوائف ، الاديان أو هجوم شخصي لن يتم نشرها
تعليقات القراء
506959
[1] حال جماعة التبليغ وموقف العلماء منها
مهاجر خارج الوطن
الأربعاء 25 نوفمبر 2020 08:55 صباحاً
خي لكريم : جماعة التبليغ مخلصين في توجههم في الدعوة ولكن ينقصهم الشرط الثاني لقبول العمل وهو متابعة النبي صلى الله عليه وسلم . وبالتالي وبتجرد وبدون تعصب تعتبر جماعة مخالفه لكتاب الله وسنة رسوله الكريم وقد تكلم عنها العملاء الكبار وحذروا منها . وهي جماعة صوفيه اسسها محمد الياس الكاندهلوي وعندما تقرا في تاريخهم وكتبهم واعترافاتهم تعرف قدر الانحراف الموجود والمخالفات والشركيات . لذا وجب الحذرمنها


شاركنا بتعليقك